أخبار ليبيا
الفنُّ سلاحٌ ناعمٌ – بقلم الدكتور الصدّيق خليفة حفتر

في سنة 1969 زار موسيقارُ الأجيالِ محمد عبد الوهاب ليبيا، وفي حفلٍ حضَرَه سمعَ لحنَ أغنيةِ “بعت المحبّة” بصوتِ الفنّانِ المرحومِ محمد رشيد، وكان محمد عبد الوهاب يومَها يُلحِّنُ لأمِّ كلثوم أغنيةَ “ودارت الأيّام” التي غنّتْها في العامِ المُوالي لزيارتِه الليبيّةِ. فأُعجِبَ المُلحّنُ الكبيرُ باللّحنِ التّراثي اللّيبي، واستأذنَ الإذاعةَ اللّيبيةَ في استعمالِه، ووافقَ رئيسُ قسمِ الموسيقى المرحومُ حسن عريبي على ذلكَ. ووصلَ اللّحنُ الليبيُّ الجميلُ مِن خلالِ المُقدّمةِ الموسيقيّةِ للأغنيةِ إلى ملايين المستمعينَ، وما زال الكثيرُ يَطرَبونَ له دون مَعرفتِهِم بأصلِه.
وكمْ مِن ألحانٍ ليبيّةٍ رائعةٍ نُسبتْ لغيرِنا ونالتِ الشّهرةَ، وأصحابُها الحقيقيّونَ مَغمورونَ لا يدري بهمْ أحدٌ. ولا نلومُ الآخرينَ على ذلكَ، بل نَلومُ أنفسَنا على تقصيرِنا في التّعريفِ بالإبداعِ الليبيِّ -ولا أتحدّثُ عن الغناءِ فقط- بل عن الفنونِ والآدابِ عمومًا، وكمْ مِن أجنبيٍّ تفاجأَ حين استمعَ إلى موسيقانا التقليديّةِ والألحانِ التي لم يَستهلكْها الفنّانونَ بَعدُ. فالتّعريفُ بها، ونشرُها، وإرجاعُ الحقِّ لأصحابِه حين تُسرقُ ويَتبنّاها غيرُنا، هذا كلُّه يَدخلُ ضمنَ الدّبلوماسيةِ النّاعمةِ التي تُعتَبرُ في عالَمِنا الحديثِ سلاحًا أهمَّ وأبعدَ تأثيرًا مِن الأسلحةِ التّقليديّةِ.
والجهودُ الفرديّةُ في الحفاظِ على هذا الكنزِ الفنيِّ وتعريفِ العالَم به لا تَكفي، بل يجبُ أن تقومَ مؤسساتٌ بهذه المهمّةِ وبطريقةٍ منهجيّةٍ عِلميّةٍ، حتّى لا يأتي يومٌ ونجِدُ الفنَّ اللّيبيَّ مُتفرِّقًا بين البلدانِ وكأنّه نَبَتَ مِن العدَمِ، ولمْ تُبدِعْه عقولٌ وقلوبٌ عيبُها الوحيدُ أنّها لا تُقَدِّرُ نفسَها كما يَنبغي.







