أخبار ليبيا
المتنبّي الحاضرُ بيننا دائمًا – بقلم الدكتور الصدّيق خليفة حفتر

هل كان المتنبّي يتنبَّأُ حين قال عن قصائدِه قبلَ ألفٍ وستّينَ سنةً: أَنامُ مِلءَ جُفوني عَن شَوارِدِها … وَيَسهَرُ الخَلقُ جَرّاها وَيَختَصِمُ.
تذكّرتُ هذا البيتَ حين وقعَ بين يديَّ كتابُ الدّكتورِ علي بن تميم “عيونُ العجائب في ما أوردَهُ أبو الطيّب مِن اختراعاتٍ وغَرائب”، وفيه اختارَ صاحبُ الكتابِ أربعينَ بيتًا تتجلَّى فيها عبقريّةُ المتنبّي، فالمؤلِّفُ يرى أنَّ هذا الشّاعرَ الذي لا يُشبههُ أحدٌ هو أوّلُ مَن أوجدَ معانيَ وتشبيهاتٍ غيرِ مسبوقةٍ في الشّعرِ العربي.
وكتابُ الدّكتورِ بن تَميم يُذكِّرُنا بمقولةِ ابنِ رَشيقٍ الشّهيرةِ “ثمَّ جاء المتنبّي فملأَ الدّنيا وشغَلَ النّاسَ”، فلا يوجدُ شاعرٌ في العربيّةِ حظِيَ ديوانُهُ بشروحٍ أكثرَ من ديوانِ المتنبّي، بل لا يوجدُ شاعرٌ عربيٌّ يَستشهدُ النّاسُ بشعرِهِ حتّى في عصرِنا هذا مثلما يحدثُ معهُ، نسمعُ كثيرًا الرّجُلَ الأميَّ البسيطَ تجري على لسانِهِ أشطرٌ شعريّةٌ للمتنبّي دون أن يدركَ أنّها لهُ، أو أنّها شعرٌ أصلًا، فنجدهُ يقولُ بعفويّةٍ حينَ يسعَدُ إنسانٌ على تعاسةِ آخرَ: “مصائبُ قومٍ عندَ قومٍ فوائدُ”، كما يُعبِّرُ عن تعرقلِ نجاحِهِ في مهمةٍ ما قائلًا: “تجري الرّياحُ بما لا تَشتهي السُّفنُ”، وهكذا نستحضرُ شِعرَ المتنبِّي في كثيرٍ من المواقفِ التي تعتَرِضُنا. وما سببُ ذلكَ إلّا لمعرفتِهِ كيف يصوغُ الحكمةَ وينقلُها مِن ظَرفٍ آنيٍّ إلى قيمةٍ مطلقةٍ. لذلكَ أتمنّى أنْ يَحفظَ حِكَمَهُ شبابُنا الليبيّ، فهي تَختصرُ ربيعًا طويلًا مِن المَعاني في زجاجةِ عطرٍ من البيانِ النّاصعِ.
